زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

137

فتح الرحمن شرح ما يلتبس من القرآن

إن قلت : لم قال هنا حكاية عن نوح بلفظ مالًا وقاله بعد حكاية عن هود بلفظ أَجْراً ؟ ! قلت : توسعة في التعبير عن المراد بمتساويين ، ولأن قصّة نوح وقع بعدها خَزائِنُ والمال بها أنسب . فإن قلت : لم قال في الأولى وَيا قَوْمِ بالواو ، وفي الثانية يا قَوْمِ بدونها ؟ قلت : لطول الكلام ، الواقع بين النداءين في قصة نوح ، وقصر ما بينهما في قصة هود ، فناسب ذكر الواو لتوصيل ما بعدها بما قبلها . 9 - قوله تعالى : قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ . . [ هود : 43 ] الآية . الاستثناء فيه منقطع ، لأن من رحمة اللّه معصوم لا عاصم . أو متّصل لأن معنى من رحم الراحم - وهو اللّه - فكأنه قيل : لا عاصم إلا اللّه . أو لأنّ عاصما بمعنى معصوم ، ك ماءٍ دافِقٍ [ الطارق : 6 ] ، و عِيشَةٍ راضِيَةٍ [ القارعة : 7 ] . 10 - قوله تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي . . [ هود : 44 ] الآية . إن قلت : هما لا يعقلان فكيف أمرا ؟ قلت : الأمر هنا أمر " إيجاد " لا أمر " إيجاب " ، فلا يشترط فيه فهم ولا عقل ، لأنّ الأشياء كلّها منقادة للّه تعالى ومنه قوله تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] وقوله : فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] . 11 - قوله تعالى : وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي . . [ هود : 45 ] الآية . قاله هنا بالفاء ، وقال في مريم في قصة زكريا : إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ بلا فاء . . . لأنه أريد بالنداء هنا إرادته ، فهي سبب له ، فناسب الفاء الدالة إلى السببيّة ، وهناك لم يرد ذلك ، فناسب ترك الفاء . 12 - قوله تعالى : قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ . . [ هود : 53 ] الآية . إن قلت : هود كان رسولا ، فكيف لم يظهر معجزة ؟ ! قلت : قد أظهرها وهي " الريح الصّرصر " ولا يقبل قول الكفّار في حقه .